دراسة «قانونية – سياسية» للباحث عبدالناصر المودع تحاول الإجابة على هذا السؤال مع استعراض نماذج دولية هل هناك سند قانوني لفك ارتباط أو تقرير مصير جنوب اليمن؟


عبدالناصر المودع
تواجه اليمن عدداً هائلاً من المشاكل أهمها القضية الجنوبية، وهي القضية التي تتعلق بمصير الوحدة اليمنية التي تمت في عام 1990. ومن الحلول المطروحة لحل هذه القضية، حل يقوم على فك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية التي كانت قائمة قبل الوحدة، وآخر يقوم على استفتاء الجنوبيين لتقرير مصيرهم إما بالاستقلال أو الاستمرار في الوحدة بشكل من الأشكال.

وفي خضم الجدل حول أي حل أفضل من الآخر، يغيب عن المشهد الحديث حول الأساس القانوني لكلا الحلين، والذي يعد الفيصل الحاسم لإمكانية تحقيق أياً منهما، فغياب الأساس القانوني لفك الارتباط أو حق تقرير المصير يجعل من أمر تحقيق إي منهما أمرا مستبعداً، إن لم يكن مستحيلاً، وما يجعل الأمر على هذا النحو، طبيعة القضية المراد تحقيقها والتي تتمثل في تأسيس دولة جديدة، فإنشاء الدول، وفق البنية السياسية والقانونية للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يتطلب أسساً قانونية تمنحه صفة الشرعية، ومن ثم، القبول والاعتراف الخارجي والانضمام إلى الأمم المتحدة،وفي هذه الدراسة سنحاول مناقشة الأسس القانونية لحالتي فك الارتباط، وحق تقرير المصير وفقا للقانون الدولي والقانون المحلي اليمني، إضافة إلى استعراض لعدد من نماذج تأسيس الدول منذ الحرب العالمية الثانية، والأسس القانونية التي استندت عليها ومقارنتها بالحالة في الجنوب.

أهمية السند القانوني لتأسيس دولة جديدة:
تتأسس الدول بموجب قواعد معينة يحددها القانون الدولي، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تتأسس دولة جديدة دون أسس قانونية واضحة ومنها:
أن يكون الإقليم الذي ستتأسس عليه الدولة الجديدة مصنفاً ضمن المناطق المحتلة أو الخاضعة للاستعمار، بمعنى آخر أن لا يكون هذا الإقليم تابعاً لدولة ذات سيادة.
يمنع القانون الدولي الانفصال من جانب واحد.

في حالة الأقاليم التي تتبع الدول ذات السيادة، يتطلب تأسيس دولة جديدة على هذه الأقاليم الأمور التالية:
أن يكون هناك سند قانوني داخلي يجيز لها الانفصال أو حق تقرير المصير، من قبيل سماح الدستور لهذه الإقاليم بالانفصال أو حق تقرير المصير، وفي هذه الحالة فإن من حق الإقليم استخدام ذلك الحق وفقا للإجراءات المنظمة له، بغض النظر عن قبول الحكومة المركزية أو رفضها تفعيل هذا الحق.

في حال غياب نص قانوني يجيز الانفصال، يشترط القانون الدولي أن تقبل الحكومة المركزية انفصال هذا الإقليم عن الدولة الأم، ويكون هذا القبول إما عبر ترتيبات قانونية – سياسية تتم مع الجهة التي تمثل شعب الإقليم، أو القبول بالانفصال كأمر واقع.

التوصيف القانوني للجنوب والجنوبيين:
يعتبر القانون الدولي المناطق الجنوبية من اليمن جزءاً من أراضي الجمهورية اليمنية، وعليه فإن سكان هذه المناطق يعتبرون مواطنون تابعون للجمهورية اليمنية،ويأتي هذا التوصيف استناداً إلى الحقائق التالية:
أن هذا الإقليم وهؤلاء السكان قد أصبحوا بتلك الصفة، نتيجة للوحدة الاندماجية التي تمت بشكل طوعي وسلمي في 22 مايو 1990، بين الحكومتين الشرعيتين«1» اللتين كانتا تحكمان الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ووفقاً لتلك الوحدة تم إدماج الدولتين في دولة جديدة هي الجمهورية اليمنية، ومن ثم أصبحتا في حكم الملغيتين وفقا للقانون الدولي.

تعززت الوحدة الاندماجية بإضافة التأييد الشعبي لها من خلال الاستفتاء على دستور دولة الوحدة الذي تم في مايو 1991 من قبل سكان الجنوب والشمال«2»، وذلك الدستور كان ينص في مادته الأولى على: (الجمهورية اليمنية دولة مستقلة ذات سيادة، وهي وحد ة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، والشعب اليمني جزء من الأمة العربية والعالم الإسلامي) وهو ما يعني من الناحية السياسية والقانونية، قبول وتأييد سكان الجنوب والشمال للوحدة الاندماجية.

هل الجنوب منطقة محتلة؟
يصف بعض أنصار القضية الجنوبية الحالة في المحافظات الجنوبية بأنها حالة احتلال منذ حرب 1994،وهذا التوصيف، يمكن اعتباره توصيفاً سياسياً ليس إلا، لكنه من ناحية القانون الدولي غير صحيح، فحرب عام 1994 كانت وفقاً للقانون الدولي حربا أهلية سببها خلافات سياسية، وما يؤكد ذلك قراري مجلس الأمن الدولي رقم (924) و(931) ففي هذين القرارين – واللذان يعدان وثيقة قانونية دولية – أكثر من إشارة تؤكد ذلك من قبيل إشارة القرارين إلى أنهما يناقشان ( الحالة في الجمهورية اليمنية) وهذا التوصيف يؤكد على أن تلك الحرب كانت تجري في داخل دولة أسمها الجمهورية اليمنية وليس بين دولتين، وما يؤكد ذلك مرة أخرى الفقرة رقم (3) في القرار الأول والفقرة رقم (6) في القرار الثاني واللتان تشيران إلى: (الخلافات السياسية) وإلى (استئناف الحوار السياسي) وهذه التوصيفات لا تطلق إلا في المنازعات الداخلية، إضافة إلى ذلك لا توجد دولة في العالم تعتبر أن الجنوب منطقة محتلة. وهذا كله ينفي صفة الاحتلال من الناحية القانونية.

غياب السند القانوني لفك الارتباط:
يرى المطالبون بفك الارتباط، بأن دعوتهم تلك ليست مطالبة بالانفصال، كونها – من وجهة نظرهم – لا تطالب بإنشاء دولة جديدة، وإنما استعادة دولة كانت قائمة، ومعترفاً بها دولياً، وعضواً في الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والإقليمية، وهذا الرأي من الناحية القانونية غير صحيح، لأن تلك الدولة قد ألغيت بموجب الوحدة الاندماجية، ولم يعد لها من وجود قانوني، ولا يملك أحدا تمثيلها، بما في ذلك الطرف الذي كان يحكم تلك الدولة وشريكا في تأسيس الوحدة، فهذا الطرف لا يمتلك إي سند قانوني يمنحه الحق بالتمثيل الحصري والدائم لتلك الدولة بعد إلغائها.

إن حالة فك الارتباط تتم في الاتحادات التي تتكون من دول مستقلة ذات سيادة، فيما يسمى بالاتحاد الكونفدرالي، ومن أمثلة ذلك الاتحاد الأوربي، ففي هذا الاتحاد بإمكان أي دولة عضو أن تفك ارتباطها بالاتحاد – وفق القواعد المنظمة لذلك – ولهذا فإن الدعوة لفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية لا يمكن وصفة إلا بأنه هرطقة قانونية ليس إلا.

غياب السند القانوني لحق تقرير المصير:
يبدو لأول وهلة أن المطالبة بحق تقرير المصير لسكان الجنوب يمتلك مبررات قانونية أكثر من مطلب فك الارتباط، لما يحمله من دلالات أخلاقية وإنسانية، إلا أن التمعن في هذا الموضوع يؤكد أن هذا المطلب هو الآخر لا يمتلك أي أسس قانونية، ونقصد بالأسس القانونية القانون الدولي والقانون المحلي، فالقانون المحلي (الدستور والقوانين اليمنية) يمنع أي مطالبة بتجزئة الدولة بأي شكل من الأشكال (نص المادة الأولى من الدستور) وفي أكثر من موضع تعتبر التشريعات المحلية اليمنية إي محاولة لتجزئة الدولة، جريمة جسيمة يعاقب عليها القانون.

أما ما يتعلق بالقانون الدولي فإن حق تقرير المصير أو مبدأ تقرير المصير المذكور في ميثاق الأمم المتحدة والعديد من وثائقها، لا ينطبق على الحالة في الجنوب على الإطلاق وسنبين هذا في النقاط التالية:
يقوم القانون الدولي على مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها. ولكون سكان الجنوب جزء من مواطني الجمهورية اليمنية فإن حقوقهم وواجباتهم ينظمها الدستور والقوانين في الجمهورية اليمنية عملا بمبدأ السيادة. وما دام القانون اليمني لا يجيز لسكان الجنوب بأن يقرروا مصيرهم بالبقاء في الدولة أو تأسيس دولة جديدة فإن هذا العمل يعتبر غير شرعي، من وجهة نظر القانون الدولي، عملاً بمبدأ السيادة.

استقر الرأي القانوني، والسلوك الفعلي للدول والهيئات الدولية، على أن مبدأ تقرير المصير المذكور في وثائق الأمم المتحدة يشير إلى الآتي:
حق الدول ذات السيادة بأن تدير شئونها الداخلية دون تدخل من أي جهة خارجية عملا بمبدأ السيادة. وقد أتضح ذلك في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2200) التي تقول في المادة رقم (49) الجزء الأول المادة الأولى ( لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي«3» والحرية في تقرير مركزها السياسي تشمل حق المحافظة على وحدة أراضي الدولة.

حق الشعوب الخاضعة للاحتلال أو الاستعمار بأن تختار بين البقاء تحت سيادة الدولة المحتلة، وفق ترتيبات معينة، أو تأسيس دولة خاصة بهم، أو الانضمام إلى دولة أخرى.

لا ينطبق حق تقرير المصير على أي جماعة تعيش داخل دولة ذات سيادة، كون هذا الأمر يتعارض مع مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها، الذي هو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي، ففي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2626) يشير إلى أن “كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الإقليمية لأي دولة أو بلد أو النيل من الاستقلال السياسي لأي دولة او بلد تتنافى مع مقاصد الميثاق ومبادئه» «4».

يُفسر الكثير من فقهاء القانون الدولي صفة الشعب بالمعنى القانوني وليس بالمعنى الثقافي/العرقي، والشعب، وفقا لهذا التعريف، هو الشعب الذي يعيش في دولة ذات سيادة أو خاضع للاحتلال أو الاستعمار. ووفقا لذلك فإن الجنوبيين كانوا قبل الوحدة هم شعب جمهورية اليمن الديمقراطية أو ما كان يعرف بشعب اليمن الجنوبي، بينما أصبحوا بعد الوحدة ضمن شعب الجمهورية اليمنية، أو الشعب اليمني.

ويتماشى هذا التفسير والمنطق، إذ أن فتح الباب لأي جماعة (لغوية، أو دينية ، أو طائفية أو جهوية) لتقرر ما إذا كانت ترغب في الانفصال عن دولها الأم، سيؤدي إلى انهيار النظام الدولي. فجميع الدول، تقريبا، تتشكل من عدد من الجماعات الثقافية المختلفة، والسماح لها بالانفصال سيؤدي إلى نزاعات مع الجماعات الأخرى، وبالتحديد تلك التي تعيش معها في نفس المنطقة، فعلى سبيل المثال تقدم مدينة (كركوك) في العراق نموذجاً لهذه المشكلة، فهذه المدينة غنية بالنفط ويسكنها حالياً أربع جماعات هي: الأكراد ، والتركمان ، والعرب ، والأشوريون، ومنح كل جماعة حق تقرير المصير أمر مستحيل لأن كل قومية ترغب بأن تسيطر على المدينة، على أساس أنها تعود لها من وجهة نظرها،وفي الحالة اليمنية، فإن فتح الباب للجنوبيين بأن يقرروا مصيرهم سيفتح الباب أمام سكان بعض المناطق كمحافظة حضرموت لتطالب هي الأخرى بتقرير المصير والانفصال عن الدولة الجنوبية وهكذا.

الأسس القانونية لنماذج الانفصال التي تمت..
انفصال سوريا:
يعد نموذج الانفصال السوري الذي تم في 28 سبتمبر 1961، الأكثر شبها بمحاولة الانفصال التي حدثت في عام 1994 في اليمن، كما أن نجاح الانفصال السوري يدفع بدعاة استعادة الدولة الجنوبية للقيام بعمل مماثل في اليمن، ففي نموذج الوحدة المصرية السورية هناك نقاط تشابه كبيرة من قبيل؛ أن الوحدة تمت بين دولتين كانتا تتمتعان بالسيادة والاعتراف الدولي، وأن الانفصال تم من قبل الطرف السوري بدون موافقة الطرف المصري.

ومع ذلك، فإن هناك اختلافا كبيرا من الناحية القانونية والسياسية للنموذجين، ففي النموذج السوري، أضطر الرئيس عبدالناصر – رئيس دولة الوحدة آنذاك – للقبول بقرار الانفصال بعد أسبوع من حدوثه «5».

ففي خطاب للرئيس عبدالناصر يوم 5 أكتوبر 1961، أعلن فيه أنه قد طلب من وزارة الخارجية المصرية أن لا تعترض على طلب سوريا استعادة عضويتها في الأمم المتحدة والجامعة العربية، وقد أتى موقف الرئيس عبدالناصر نتيجة لعدد من الحقائق أهمها؛ عدم التواصل الجغرافي بين مصر وسوريا وصعوبة استعادة سوريا من الناحية العسكرية، ومعارضة الاتحاد السوفيتي – حليفه الرئيسي – لأي عمل عسكري لمنع الانفصال، إلى جانب الكلفة السياسية والنفسية التي كان سيدفعها في سبيل الحفاظ على الوحدة، ومن هنا فإن قبول الحكومة المركزية، الممثلة بحكومة القاهرة، لانفصال سوريا منح ذلك الانفصال الأساس القانوني، ومن ثم الاعتراف الدولي. أما في النموذج اليمني فإن الحكومة المركزية في صنعاء عام 1994 رفضت الانفصال ومنعته بالقوة العسكرية،وقد قبلت جميع دول العالم تقريبا ما آل إليه الوضع حينذاك.

ومن المتوقع أن أي محاولة انفصالية جديدة ستقابل بموقف مماثل، فالعلاقة بين اليمنيين في الشمال والجنوب لا تشبه بأي حال من الأحوال، العلاقة بين المصريين والسوريين، كما أن العالم الخارجي – الإقليمي والدولي – يعارض الانفصال، وكل هذه العوامل وغيرها تجعل من شبه المستحيل على أي حكومة في صنعاء أن تقبل بالانفصال، ومن ثم فإن النموذج السوري مختلف تماماً عن النموذج الجنوبي.

جنوب السودان:
كان جنوب السودان تابعاً لجمهورية السودان منذ استقلالها عام 1956، ولم يكن بالإمكان انفصال جنوب السودان دون الترتيبات التي تمت وجعلت من ذلك الانفصال شرعياً وقانونياً، والذي تم من خلال اتفاق طرفي النزاع – الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان – على اتفاقية السلام التي تم التوقيع عليها في العاصمة الكينية (نيروبي) في يناير 2005، وبموجب هذه الاتفاقية تم اعتماد دستور انتقالي للسودان منح الجنوبيين الحق في تقرير مصيرهم عبر استفتاء يتم بعد 6 سنوات من بداية المرحلة الانتقالية، وهو ما تم في يناير 2011 وتم بموجبه انفصال جنوب السودان.

ارتيريا:
كانت ارتيريا إقليماً تحت سيطرة الاستعمار الإيطالي، وحين هُـزمت إيطاليا في الحرب العالمية الثانية أصبح الإقليم تحت السيطرة البريطانية، وفي عام 1952، انسحبت بريطانيا من ارتيريا، ضمن ترتيبات تمت من قبل الأمم المتحدة، تم بموجبها إنشاء اتحاد فدرالي بين أثيوبيا وإرتيريا، وقد منح ذلك الاتحاد إرتيريا حكماً ذاتياً واسع الصلاحيات تضمن إنشاء سلطة تشريعية وتنفيذية تتولى إدارة الإقليم، غير أن إمبراطور أثيوبيا – رئيس الاتحاد – ألغى الحكم الذاتي في عام 1962 وضم إرتيريا لأثيوبيا في مخالفة واضحة لترتيبات الأمم المتحدة، وقد اعتبر هذا الإجراء أحد الأسس القانونية للاستقلال، وقد تم الاستقلال بعد صراع مسلح بين حركات الاستقلال الإرتيرية والقوات الأثيوبية، انتهى بسيطرة الجبهة الشعبية لتحرير ارتيريا على كامل التراب الإرتيري، في نهاية حكم دكتاتور أثيوبيا (منجستو هيلا مريام) في عام 1991. وبعد أن سيطر الإرتيريون على منطقتهم رعت الولايات المتحدة مفاوضات بين الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا (الجهة المسيطرة على إقليم إرتيريا) والحكام الجدد لأثيوبيا – الذين كانوا قد تحالفوا معا أثناء صراعهم مع نظام (منجستو) – وقد أسفرت المفاوضات على أن يُمنح الإرتيريون الحق في إجراء استفتاء لتقرير مصيرهم، وهو ما تم في عام 1993 برعاية من الأمم المتحدة. وقد صوت الإرتيريون على الاستقلال تحت إشراف الأمم المتحدة بنتيجة بلغت (99.8 %)، وقد اعترف العالم بدولة إرتيريا استنادا للأسس القانونية التي ذكرناها.

تيمور الشرقية:
كانت تيمور الشرقية حتى عام 1975 مستعمرة برتغالية، وبعد خروج البرتغاليين أعلنت استقلالها، إلا أن القوات الاندونيسية غزتها وضمتها إليها، وقد رفض مجلس الأمن الإجراء الاندونيسي، ومن ثم أصبحت تيمور الشرقية وفق القانون الدولة منطقة محتلة، وحين انتهى النظام الدكتاتوري في اندونيسيا في نهاية تسعينات القرن العشرين، ضغطت الدول الكبرى وتحديدا الولايات المتحدة على الحكومة الاندونيسية لتمنح سكان شرق تيمور حق تقرير المصير وهو الأمر الذي تم في 1999، تحت إشراف الأمم المتحدة، ووفقا لذلك، حصلت تيمور الشرقية على استقلالها من جديد.

دول الاتحاد السوفيتي:
كان دستور الاتحاد السوفيتي السابق يمنح الجمهوريات التي يتشكل منها حق الانفصال، وحين ضعفت السيطرة المركزية للدولة السوفيتية عام 1991 قرر رؤساء الجمهوريات السوفيتية استخدام ذلك الحق وقرروا فك الاتحاد، وكانت تلك الخطوة قد سبقتها خطوات مماثلة من قبل جمهوريات البلطيق (استونيا ولاتفيا و لتوانيا) ووفقاً لذلك تمت عملية الانفصال في الجمهوريات السوفيتية، لتصبح عملية الانفصال شرعية كونها أتت متوافقة مع دستور الدولة السوفيتية نفسها، وحين ظهرت حركات انفصالية داخل الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، كما حدث في الشيشان التابعة لروسيا، وأبخازيا واوسيتا الجنوبية في جورجيا لم يعترف العالم بشرعية تلك الحركات كونها تنتهك سيادة ووحدة الدول التي تنتمي لها.

بنغلاديش:
انفصلت بنغلاديش، التي كانت تعرف بباكستان الشرقية، عن جمهورية باكستان في عام 1971، بعد خلافات حول نتائج الانتخابات التي شابتها تهم التزوير من قبل حزب رئيس الوزراء آنذاك ذوالفقار علي بوتو،الذي كان ينتمي لباكستان الغربية،وقد رفضت الحكومة المركزية في إسلام أباد الاعتراف بالانفصال وأمرت الجيش الباكستاني المرابط فيما كان يعرف بباكستان الشرقية بقمع الحركة الانفصالية، إلا أنه لم ينجح رغم مقتل مئات الآلاف، مما أضطره للانسحاب من بنغلاديش بعد عدة أشهر من إعلان الانفصال، ومع ذلك لم تتمكن بنغلاديش من الانضمام للأمم المتحدة حتى اعتراف الحكومة الباكستانية بها عام 1974، وهو الاعتراف الذي منح الانفصال الشرعية القانونية.

انفصال الجمهوريات في يوغسلافيا:
كان الدستور اليوغسلافي شبيها بالدستور السوفيتي الذي يمنح الجمهوريات التي يتشكل منها الاتحاد حق الانفصال عن الدولة الأم، وهذا ما حدث منذ عام 1991 حين قامت الجمهوريات، التي كانت ضمن الاتحاد، بالخروج منه تباعاً، وقد اعترفت الكثير من الدول وخاصة في أوربا بتلك الجمهوريات استنادا إلى الدستور اليوغسلافي وتم رفض إدعاء السلطة الاتحادية التي كانت خاضعة لجمهورية الصرب بعدم شرعية استقلال الجمهوريات اليوغسلافية، وفي الأخير رضخت الجمهورية الصربية للأمر واعترفت بالجمهوريات المنفصلة.

انتهاء الاتحاد التشيكوسلوفاكي:
تشكلت تشيكوسلوفاكيا من اتحاد بين جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا في (1918 – 1939 ، 1945 -1992) وقد تم إنهاء الاتحاد عام 1992 من قبل السلطات في الجمهوريتين، وبذلك تم إنشاء دولتي تشيكيا وسلوفاكيا بعد ذلك، وكما يلاحظ فإن هذا الإجراء قد تم بين جمهوريتين ووفقا لترتيبات داخلية دون إي نزاعات تذكر، وهو ما جعل الصحافة تصف هذه العملية بالمخملية لسلاستها ونعومتها.

كوسوفو:
يعد استقلال كوسوفو بالحالة الاستثنائية لتأسيس دولة دون التوافق الكامل مع القانون الدولي، فكوسوفو كانت إقليما يتمتع بالحكم الذاتي، ضمن جمهورية صربيا، وفي عام 1989 ألغت الحكومة الصربية الحكم الذاتي وضمت الإقليم إلى صربيا، وقد ولد ذلك القرار رفضاً ومقاومة من قبل الأغلبية الألبانية – التي تشكل ما يزيد عن 90 % من سكان كوسوفو – وقد تمثل هذا الرفض بعدة خطوات عمليه من قبيل؛ إجراء استفتاء بالاستقلال عن صربيا عام 1990، وانتخاب رئيس للجمهورية، وكل تلك الخطوات لم تعترف بها صربيا، ومع استمرار الصراع ووصول الأمر حد اتهام الجيش الصربي بارتكاب مذابح، ولخشية الدول الغربية من تكرار المجازر التي حدثت في البوسنة، قام حلف الناتو بقصف صربيا في عام 1999 وإجبارها على الانسحاب من كوسوفوا ليتم نشر قوة متعددة الجنسيات تحت إشراف الأمم المتحدة، التي أدارت الإقليم وفق قرار مجلس الأمن رقم (1244) وبعد فشل المفاوضات بين الحكومة الصربية والألبان أعلن ممثل الأمم المتحدة توصياته باستقلال كوسوفو، والذي تم في 17 فبراير 2008 من قبل البرلمان الكوسوفي، وقد اعترفت أكثر من تسعين دولة بكوسوفو، إلا أن عدداً من الدول على رأسها صربيا (الدولة الأم) وروسيا والصين لم تعترفا به وتعتبر انه مخالفاً للقانون الدولي، وبعد إعلان الاستقلال طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بناء على طلب صربيا، من محكمة العدل الدولية أن تبدي رأيها – غير الملزم – حول ما إذا كان إعلان استقلال كوسوفو يخالف القانون الدولي، وفي 2010 أصدرت المحكمة قرارها بأن إعلان الاستقلال لا يخالف القانون الدولي، وقد حمل هذا القرار الكثير من الجدل القانوني حول ما إذا كان ذلك يشكل سابقة في القانون الدولي تمنح الأقليات حق الانفصال من جانب واحد، غير أن قرار المحكمة نفسه أشار إلى أنه ليس معني بالنظر في موضوع حق كوسوفو الإعلان من جانب واحد الاستقلال عن صربيا، وهذه الإشارة جعلت ذلك القرار يحمل الكثير من الإبهام والغموض، فقرار محكمة العدل الدولية بدأ وكأنه لعب بالكلمات حيث أنه أشار إلى أن إعلان الانفصال لا يتعارض مع القانون الدولي، وهو الرد على السؤال الذي ورد من الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما شددت المحكمة أنها غير معنية بالإجابة عن إذا ما كان من حق كوسوفو أن تعلن الانفصال من جانب واحد، لأن هذا السؤال لم يوجه لها.. ومع ذلك فإن حالة كوسوفو تعتبر حالة خاصة فحتى لو كانت غير منسجمة تماما مع القانون الدولي، فإن الدعم الغربي الواسع والحرب التي اشتعلت في المنطقة جعلت من أمر الاستقلال ممكنا. ومع ذلك فإن كوسوفو لم تتمكن من الحصول على العضوية في الأمم المتحدة وستبقى في هذه الوضعية حتى تزول المعارضة الروسية والصينية، المرتبطة بالمعارضة الصربية.

حالة المناطق التي أعلنت الانفصال دون سند قانوني:
تم الإعلان عن عدد من الدول، إلا أنها لم تصبح دولاً حقيقية كاملة السيادة، ويرجع السبب إلى غياب السند القانوني الذي يمنح هذه الدول الاعتراف الخارجي ومن ثم السيادة الكاملة والشخصية القانونية الدولية، فالدولة وفق القانون الدولي تتكون من أربعة أركان هي: إقليم وشعب وحكومة وسيادة فالسيادة هي ركن أساسي لقيام الدولة ولا تتحقق السيادة إلا بالاعتراف الدولي والذي لا يشترط أن يكون اعترافاً كاملاً من جميع دول العالم وإنما من عدد معقول من الدول النافذة والمهمة في العالم الذي تجعل لهذه الدولة القدرة على التعامل مع العالم الخارجي. ومن هذه الدول ناقصة السيادة والغير معترف بها نشير إلى النماذج التالية:

جمهورية شمال قبرص:
سيطرت القوات التركية على شمال قبرص ذو الأغلبية التركية المسلمة عام 1975 وفي 15 نوفمبر1983 تم الإعلان عن قيام جمهورية شمال قبرص التركية، إلا أن جميع دول العالم، باستثناء تركيا، لا تعترف بهذه الدولة، فوفقا للقانون الدولي فإن هذه الدولة تقع داخل أراضي جمهورية قبرص ومن ثم فإن سكانها لا يمتلكون الحق بإنشاء دولة خاصة بهم استنادا إلى اختلافهم الديني واللغوي وربما العرقي عن بقية السكان.

جمهورية أرض الصومال:
بعد انهيار السلطة المركزية في مقديشو عام 1991، تم الإعلان عن جمهورية أرض الصومال في الجزء الشمالي من الجمهورية، والذي كان يعرف سابقا بالصومال البريطاني، وقد أستند سكان الإقليم إلى أسس تاريخية ليبرروا الانفصال، فالإقليم الذي قامت عليه جمهورية أرض الصومال اتحد مع الإقليم الجنوبي– الذي كان تحت الانتداب الإيطالي – في عام 1961، وعلى هذا الأساس يدعي قادة هذه الجمهورية أنهم يمتلكون الحق القانوني قي تكوين دولة خاصة بهم، إلا أن المجتمع الدولي والقانون الدولي لم يعترف بهذه الدولة رغم مرور أكثر من 21 عاماً على تأسيسها (تأسست في 18 مايو 1991) فجميع دول العالم تعتبرها جزءاً من جمهورية الصومال، ولم يشفع لهذه الدولة الاستقرار السياسي النسبي الذي تعيشه مقارنة ببقية الصومال، فهذا الوضع لا يبرر خرق القانون الدولي وإحداث سابقة خطيرة ستؤدي إلى تفكك الكثير من الدول خاصة في أفريقيا.

أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا:
أعلن إقليما أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، إنشاء دولتين لهما، منذ بداية التسعينات إلا أن هذا الأمر لم يتحقق كون هاذين الإقليمين يعتبران ضمن أراضي جورجيا ومن ثم فإن جميع دول العالم باستثناء روسيا ونيكارجوا وفنزويلا، لا تعترف بهاتين الدولتين.

تايوان:
في عام 1949 سيطر الشيوعيون الصينيون على العاصمة الصينية بكين، وفرت الحكومة السابقة إلى جزيرة تايوان، وأعلنوا من هناك أنهم الحكومة الشرعية لعموم الصين، وهو ما دعمته الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية،وقد أدى ذلك إلى حرمان حكومة بكين من الدخول للأمم المتحدة،والتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، والتي كانت تحتله السلطة التايوانية. وقد أستمر الوضع على ذلك النحو حتى اعترفت الولايات المتحدة بالحكومة الشيوعية في عام 1971، وتم حينها طرد تايوان من الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنحت حكومة الصين الشعبية في بكين ذلك الحق، والتي أصبحت وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2758) الممثل الشرعي والوحيد للكيان الصيني الذي عرف سابقاً بجمهورية الصين الموحدة، ويعني ذلك أن تايوان هي جزء من الدولة الصينية.

ومنذ ذلك الحين والحكومة في تايوان تفقد الكثير من الاعترافات بها لصالح الاعتراف بالحكومة في بكين، وحتى أكبر حاميي تايوان مثل الولايات المتحدة لا يعترفون بالحكومة التايوانية، لغياب أي سند قانوني، حيث أن الحكومة في بكين تعتبر تايوان جزءاً من الدولة الصينية، وتشارك معظم دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، وجهة النظر الصينية.

مقاطعة الكيبيك في كندا:
تمثل قضية الكيبيك في كندا نموذجاً لصعوبة عملية الانفصال في الدول المتطورة ذات النظم الديمقراطية الراسخة، فسكان مقاطعة كيبيك أجروا استفتاءين حول الانفصال عن الدولة الكندية في عامي 1980 و 1995 وفي الاستفتاءين لم تصوت الأغلبية مع الانفصال، رغم أن الاستفتاء الأخير فشل بفارق ضئيل جدا لم يتجاوز 0.6%. وفي عام 1997 تقدمت السلطة المركزية الكندية بأسئلة للمحكمة العليا الكندية تطلب رأيها حول حق مقاطعة كيبيك الانفصال من جانب واحد وفق الدستور الكندي والقانون الدولي؟ وهل يمنح القانون الدولي سكان مقاطعة كيبيك حق تقرير المصير«6».

وقد أصدرت المحكمة رأيها في عام 1998،ولأهمية هذا الحكم، والذي أصبح أحد المراجع القانونية في مسائل الانفصال، سنورد بعض من الأفكار الهامة التي تضمنها فيما يلي:
– ذكر الحكم أن ليس من حق مقاطعة كيبيك الانفصال عن كندا كون الدستور الكندي لا يسمح بذلك.

– أشار الحكم إلى أن القانون الدولي الذي يمنح الشعوب حق تقرير المصير لا ينطبق على سكان كيبيك وإنما على السكان الذين هم تحت الاحتلال أو الاستعمار.

شدد الحكم على أن الاتحاد الحالي قد خلق مصالح متبادلة، وخلق حالة من الاعتماد المتبادل بين سكان كيبيك وبقية سكان كندا، وهو ما يعني أن الانفصال سيؤدي إلى الإضرار ببقية السكان، ونتيجة لذلك فإن ليس من حق سكان مقاطعة كيبيك أن يقرروا الانفصال من جانب واحد لأن ذلك سيؤدي إلى الإضرار بمصالح السكان في الأجزاء الأخرى من الدولة، ومادام الأمر على ذلك النحو فإن قرار انفصال كيبيك ينبغي أن يقرره جميع سكان كنداء وليس سكان كيبيك وحدهم.

أشار الحكم إلى أن الدستور الكندي لا يسمح للسلطة المركزية الكندية أن تمنح مقاطعة كيبيك حق الانفصال.

أهمية قراري مجلس الأمن (924) (931):
يتحدث أنصار القضية الجنوبية إلى أن قراري مجلس الأمن رقم (924) و (931) واللذان صدرا أثناء حرب 1994، يمنحان القضية الجنوبية مرجعية قانونية للمطالبة بحق تقرير المصير والانفصال. وهناك عدد من القضايا التي يعتقد أنصار القضية الجنوبية أن القرارين يشيران لها من قبيل:
– عدم جواز الوحدة بالقوة.
– المطالبة بالحوار بين قادتي الدولتين.
– وقف إطلاق النار وعدم دخول مدينة (عدن)
– إبقاء القضية حية في الأمم المتحدة، وعدم إغلاق ملف الجنوب في الأمم المتحدة.

ومن خلال قراءة القرارين المذكورين – يمكن الإطلاع عليهما من موقع الأمم المتحدة «7».
يتضح أن قراءة القرارين وفق ما يروجه أنصار القضية الجنوبية، ليس صحيحا بالمطلق، وهو يدل إما على جهل أو رغبة في التضليل وتسويق الوهم للناس. فالقراران المذكوران بالنص الانجليزي والعربي لم يشيرا من قريب أو بعيد لما ذكر أعلاه، ففيما يتعلق بموضوع عدم جواز الوحدة بالقوة، فإن القرارين المذكورين يتحدثان عن عدم حل الخلافات السياسية بالقوة، كما ورد في الفقرة رقم (3) في قرار (924) والتي تنص على: “ يُـذكر كل من يهمه الأمر أنه لا يمكن حل الخلافات السياسية باستخدام القوة ويحثهم على العودة فوراً إلى المفاوضات مما يسمح بحل الخلافات بينهم بالوسائل السلمية وإعادة إحلال السلم والاستقرار”.

وفي الفقرة السادسة من القرار رقم (931) التي تنص على:- «يكرر تأكيد أن الخلافات السياسية لا يمكن حسمها عن طريق استعمال القوة و يأسف بالغ الأسف لقعود كافة الأطراف المعنية عن استئناف الحوار السياسي فيما بينها و يحثها على القيام بذلك فوراً و بدون أية شروط مسبقة لكي تتيح بذلك التوصل إلى حل سلمي لخلافاتها و استعادة السلم و الاستقرار و يطلب إلى الأمين العام و مبعوثه الخاص دراسة السبل المناسبة لتيسير تحقيق هذه الأهداف»،وكما هو واضح فإن الفقرتين تتحدثان عن خلاف سياسي داخل دولة أسمها (الجمهورية اليمنية) والتي ورد ذكرها في القرارين حين أشارا في الديباجة إلى (الحالة في الجمهورية اليمنية) والحديث عن عدم حل الخلافات السياسية بالقوة هي عبارة نمطية ترد في كل قرار يصدره مجلس الأمن حول المنازعات المسلحة داخل الدول.

وفيما يتعلق بالحوار بين قادتي الدولتين، فالقرارين كما هو موضح في الفقرتين السابقتين، أشارا بشكل واضح إلى أطراف مختلفة سياسيا، ودعيا إلى استئنافه بدون شروط، ولكون الحرب قد حسمت موضوع الخلاف في حينه، فإن هذا الطلب قد تجاوزته الأحداث.

وأما بخصوص وقف أطلاق النار الوارد في القرارين فإنه كان يشير إلى وضع متعلق بالحرب التي كانت دائرة حينها، وكون الحرب قد انتهت في 7 /7/ 1994 فإن هذه الفقرة وغيرها، كتلك المتعلقة بالوضع الإنساني لسكان عدن، أصبحت غير ذات قيمة لأن الأحداث تجاوزتها، وهو ما اعترف به مجلس الأمن بشكل ضمني، لأنه لو لم يعترف مجلس الأمن بشرعية دخول عدن، كما يزعم البعض، لإصدر قرار خاص بذلك كما يحدث في المنازعات الدولية التي ينتج عنها حالة احتلال.

وأما القول بان قضية الجنوب لازالت مفتوحة ولم تغلق، استنادا إلى الفقرتين الأخيرتين من القرارين المذكورين، ( الفقرة 9،6) والتي تشيران إلى إبقاء المسالة قيد النظر، فهو غير صحيح، لأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن أغلقا ملف حرب 1994 في اليمن بدليل أن المجلس أو أي هيئة تابعة للأمم المتحدة لم تناقش تلك القضية بعد ذلك، ولم يرفع تقرير لمجلس الأمن منذ ذلك التاريخ، وهو ما لا يحدث في القضايا المفتوحة كالقرار رقم (1559) الخاص بلبنان والذي يقوم الأمين العام للأمم المتحدة برفع تقارير دورية لمجلس الأمن تتعلق بمدى تطبيقه.

والخلاصة أن قراري مجلس الأمن لا يقدمان أي فائدة تذكر لدعاة فك الارتباط وحق تقرير المصير، خاصة وأن قرار مجلس الأمن رقم (2014) الخاص باليمن شدد على دعمه وحدة واستقرار اليمن، وهو ما يزيل أي لبس قانوني حول الوحدة اليمنية.

النتائج
فك الارتباط أو حق تقرير المصير، يصنفهما القانون الدولي بأنهما محاولة للانفصال من جانب واحد، والقانون الدولي يحظر هذا الأمر لأنه يخالف أهم ركن من أركان النظام الدولي القائم على مبدأ سيادة الدول والمحافظة على سلامة أراضيها.

ليس من حق الجنوبيين بعد الوحدة الاندماجية في الانسحاب منها أو تعديلها من طرفهم فقط، مادام دستور دولة الوحدة قد نص على عدم جواز تغيير صفة الدولة. فالرأي في الوحدة أصبح من حق الشماليين والجنوبيين معا، لأنه أصبح أمرا يهمهم جميعا. فبعد الوحدة، تأسست مصالح عامة وخاصة لأبناء الشطرين، ولا يجوز لطرف واحد أن يلغي من جانبه مصالح الطرف الآخر، فهناك سكان شماليون استثمروا في الجنوب وعاشوا فيه، وبالمثل هناك سكان جنوبيون استثمروا في الشمال وعاشوا فيه، وبإعادة التشطير سيتضرر هؤلاء بشكل مباشر، وقد يصل الضرر بهم إلى حد فقدان حياتهم أو ممتلكاتهم جراء عملية التطهير “الشطري” إن صح التعبير، فوفقاً لما يتحدث به دعاة الانفصال فإن السكان الشماليين المقيمين في الجنوب من بعد الوحدة، والذي قد يصل عددهم إلى مئات الآلاف، ليسوا سوى مستوطنين ومحتلين، وهذا التوصيف يؤسس لثقافة التطهير وربما الإبادة للشماليين في المناطق الجنوبية، وحدوث أمر كهذا سيجر إلى عمليات انتقام تطال الجنوبيين في الشمال، والأمر الأصعب في هذه الحالة أن سكان الشطرين متداخلين فيما بينهم من خلال التزاوج إلى حد يجعل من المستحيل قيام حالات فصل سهل ومنظم لمواطني الشطرين.

إضافة إلى ذلك خلقت الوحدة حالة من الاعتمادية بين الشطرين في الكثير من المجالات خاصة المجالات الاقتصادية، فهناك مشاريع اقتصادية مشتركة تعتمد في بقائها على حالة الوحدة، أهمها محطة بلحاف لتسييل الغاز – أكبر مشروع استثماري في اليمن – فالمنشأة تقع في منطقة جنوبية (بلحاف – شبوه) بينما الغاز يأتي من محافظة مأرب الشمالية، وبالمثل نجد أن النفط المستخرج في منطقة مأرب يتم تصفيته في مصفاة عدن ومن ثم توزيعه للاستهلاك المحلي في عموم الدولة.

تصرفات الحكومة المركزية أثناء الحرب أو بعدها، ومهما بلغت في سوئها، لا تمنح الجنوبيين، وفقا للقانون الدولي الحق في الانفصال، فالكثير من الجماعات الراغبة في الانفصال حول العالم، تعرضت لقمع وتنكيل من السلطات التي تحكمها، أكبر بكثير مما تعرض له الجنوبيون، ومع ذلك لم يمنحها القانون الدولي الحق في الانفصال، كما هو حال الأكراد والشيشان في الدول التي يعيشون فيها،أن أفضل ما يقدمه القانون الدولي والمجتمع الدولي، للجماعات التي تعاني القمع والاضطهاد، هو المطالبة بمعاقبة المسئولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وكفالة الحقوق الثقافية والسياسية لهذه الجماعات، والمساواة أمام القانون كبقية السكان.. يرى الانفصاليون بأن الطرف الشمالي لم يلتزم باتفاقية الوحدة، خاصة حين أخرج الطرف الجنوبي من السلطة عقب حرب 94، وعليه فإن دعوتهم لإنهاء الوحدة مبررة ومشروعة، فالوحدة كانت بين طرفين وإخراج أحد الأطراف ينهيها، وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي من الناحية السياسية، إلا أنه ليس له أي قيمة قانونية، فاتفاقية الوحدة جعلت دستور الجمهورية اليمنية المرجعية القانونية في الدولة، وهذا الدستور لا يشير لأي التزامات أو شروط يتطلب الوفاء بها استمرار الوحدة، أو إنهائها.

رغم أن الوحدة لم تؤدي إلى الاستقرار والتنمية في اليمن، إلا أن العالم الخارجي يدرك أن الانفصال سيزيد أوضاع اليمن سوءاً، فدولة بهشاشة اليمن سيعمل الانفصال على انهيارها بالطريقة الصومالية، ولهذا فإن العالم الخارجي سيستمر في معارضته لصيغة الانفصال مادام غير مقبول من الحكومة المركزية وأغلبية الشماليين، فالعالم الخارجي يرى بأن صيغة الوحدة لليمن هي أقل الصيغ سوءاً.

يشير أنصار استعادة الدولة الجنوبية إلى أن الغالبية العظمى من الجنوبيين تؤيد ذلك، وقد يكون هذا الأمر صحيحا، إلا أنه لا يمنح الانفصال إي شرعيه قانونية، رغم أنه يمنحه شرعية سياسية، فرأى السكان الراغبين في الانفصال لا يعتد به في القانون الدولي، حتى لو وصلت هذه الرغبة نسبة الـ 100 %، لأنه وفي حال تم اعتماده كسبب للانفصال، فإن معظم الجماعات التي تشعر بالاضطهاد، أو لديها ثروات طبيعية ستنفصل مسنودة بأغلبية شعبية عارمة، فعلى سبيل المثال يقع معظم النفط السعودي في المناطق الشرقية ذات الأغلبية الشيعية، ويقع جزء كبير من النفط الإيراني في منطقة (خوزستان) أو (عربستان) ذات الأغلبية العربية، وعلى افتراض منح سكان هاتين المنطقتين الاختيار بين البقاء في دولها أو الانفصال، فإن المنطق يشير إلى أنها ستختار الانفصال وفقاً للدستور الحالي ودستور دولة الوحدة لم يكن بإمكان الرئيس السابق كما أنه ليس بإمكان الرئيس الحالي القبول بحق تقرير المصير، أو التفاوض على أي شي يفضي لانفصال الجنوب لأن هذا العمل يعارض الدستور ويعتبر جريمة، وحنثاً باليمين الدستورية.

آفة أي قضية المبالغة في طرح المطالب، فهذه المبالغة تخلق حالة من انسداد الأفق للحل، فبعد انطلاق الحراك بفترة وجيزة، رفع الحراكيون وبسرعة فائقة مطالبهم من مطالب حقوقية عادلة ومشروعة ولها الكثير من السند الشعبي الواسع في الشمال والجنوب، إلى مطلب الانفصال، وهو ما افقدهم التأييد الشمالي، الذي يعد الأمر الحاسم، فالأكثرية الشمالية هي من تملك، بالسلم والحرب، حسم القضايا، واستعدائها عبر الدعوة للانفصال الممزوجة بلغة عدوانية تجاه الشماليين، أدى وسيؤدي إلى ردود فعل غاضبة ومتطرفة في الشمال، وهو ما سيدخل الجميع في أزمة وتحديدا الجنوبيين، الذين سيعانون من استمرار المشكلة، فالأمن والتنمية الاقتصادية والخدمات، ستتراجع في الجنوب أكثر من الشمال، وسيكون المستفيد الأكبر من ذلك، القوى الجهادية، التي تزدهر وتقوى في هذه الظروف، أما دعاة الانفصال الذين لا يمتلكون قيادة موحدة، ولا إيديولوجية جامعة، فإنهم أبعد من أن يسيطروا على المناطق المضطربة، فخلال العام الماضي كان أنصار الشريعة/ القاعدة هم اللذين استفادوا من فراغ السلطة وليس قوى الحراك.

أن إيهام الجنوبيين بأحلام لن تتحقق، من خلال إيصال رسالة لهم بأن الانفصال قريب المنال، وما تبقى سوى تفاصيل حول اسم الدولة أو خطوات الانفصال – فك ارتباط ، فدرالية مؤقتة – لن يؤدي إلا إلى مزيد من القيود على قيادات الجنوب أنفسهم، فهم حين سيتصرفون بواقعية ويقبلوا بما دون ذلك، وهو ما ستفرضه عليهم الظروف الداخلية والخارجية، سيلقون معارضة من قبل الكثير من الجنوبيين الذين تم إيهامهم، من قبل قياداتهم السياسية ونخبهم الفكرية، بأن تحقيق الاستقلال أمراً سهلاً، وسيتم اتهامهم بخيانة القضية والتفريط بحقوق الجنوبيين واستلام ثمنها، وهذه المفردات جاهزة ورائجة بين سكان الجنوب.

إن فكرة استعادة الدولة كما يسوقها جناح البيض، تصور موضع الوحدة والانفصال، أشبة بعضوية نادي رياضي أو أدبي، متى ما تريد الخروج منه، ما عليك إلا أن تعلن عن ذلك في بيان سياسي أو مظاهرة هنا وهناك، ويتجاهل أصحاب هذا التيار أن النظام الدولي فيما يخص إنشاء الدول يخضع لشروط صارمة، وليس إلى رغبة جماعة مهما كانت قوية.

يوضح نص حكم المحكمة العليا الكندية أن قضية الانفصال ليست بالعملية السهلة والمقبولة حتى في الدول الديمقراطية المتطورة، وما دام الأمر كذلك فكيف هو الحال في دولة شبيهة باليمن، حيث يمكن للانفصال أن يؤدي إلى فوضى عارمة تعم الشمال والجنوب، وما الحال في السودان إلا نموذج لذلك، إذ أن انفصال الجنوب، لم يوقف الحرب، كما كان يؤمل من شجع على الانفصال، بل أن الحرب والفوضى في السودان أصبحت أسوا مما كانت عليه قبل الانفصال،وحدث هذا الأمر على الرغم من أن انفصال جنوب السودان كان قد تمت التهيئة له من قبل الدولة السودانية والعالم الخارجي.

لدعاة الفدرالية من إقليمين ومن ثم فترة يعقبها استفتاء لتقرير المصير، هذا الأمر لن يتم إلا في حال تم تغيير الدستور الحالي باستفتاء يشمل جميع سكان اليمن، وهو أمر لا يمكن توقع حدوثه في الوقت الحالي أو حتى بعد فترة.

يطرح أنصار القضية الجنوبية بأن الوحدة قامت بالشراكة بين الجنوب والشمال، وهذا الأمر صحيح من الناحية السياسية إلا أنه غير صحيح من الناحية القانونية. فالشراكة تتطلب وجود شركا بشخصياتهم الطبيعية أو الاعتبارية، ومنصوص عليهم في الوثائق التي قامت عليها الدولة، ولكن في الوحدة اليمنية أتفق طرفا الوحدة على تأسيس كيانا جديدا، وألغيا الكيانين السابقين، وجعلا من دستور الجمهورية اليمنية الوثيقة الوحيدة التي تنظم الحياة في دولة الوحدة، وبما أن هذا الدستور لم يمنح أي طرف من الأطراف التي وقعت على الوحدة أي سلطة خاصة. فإن الطرفين، قانونيا، اتفقوا، على أن يتخلوا عن أي سلطات خاصة بهم بعد الوحدة، وأصبحت السلطة بعد إقرار الدستور وإجراء الانتخابات في ابريل 1993 ينظمها الدستور، فعلى سبيل المثال لو أن الانتخابات عام 1993 أدت إلى فوز طرف ثالث غير الشريكين الموقعين على اتفاقية الوحدة، فإن هذا الطرف كان مخولا من الناحية الدستورية على تسلم السلطة، وهو ما كان يعني إخراج الطرفين الموقعين على الوحدة من السلطة.

غياب أي أمل بالانفصال يتطلب من قادة الحراك التفكير بواقعية والبحث عن حلول واقعية لمطالبهم ضمن الدولة الواحدة التي هي الخيار الوحيد والممكن، على الأقل في المدى القصير والمتوسط.

تشدد القانون الدولي في رفض الانفصال من جانب واحد، ركن أساسي من الأركان التي يقوم عليها النظام الدولي، فالتساهل في هذا الموضوع سيقوض الأمن والاستقرار العالمي، ولهذا فإن هذا الرفض سيبقى دون تغيير في المستقبل، وهو ما يعني أن رهان الانفصاليين على تغير موقف دول العالم من قضيتهم، لحدوث تغير في المصالح، هو رهان خاسر، فهذا الموقف يتقدم على أي مصلحة اقتصادية أو استراتيجية، للدول الكبرى.

ينبغي على الشماليين الحريصين على الوحدة أن يتفهموا خوف الجنوبيين من طغيان الكثرة الشمالية، ولهذا عليهم أن يتقبلوا بصيغ وحلول تمنح الجنوبيين بعض الاطمئنان للقبول بالوحدة.

في الأخير هل يمكن أن نتوقع حدوث تغيير في مطالب الانفصاليين، حين يتم إشهار غياب الأساس القانوني لمطالبهم؟ الجواب يشير إلى أنهم لن يغيروا وجهات نظرهم بعد أن اقنعوا أنفسهم بأن الانفصال أمر ممكن، فهم، كما يبدو من أدبياتهم، غير مهتمين بالجوانب القانونية، إلا وفق تفسيراتهم هم وليس ما يراه العالم، وكما لاحظنا فإن تفسيراتهم لقراري مجلس الأمن يختلف جذريا عن الواقع، في نفس الوقت نجدهم يفسرون موقف العالم الخارجي الرافض للانفصال بأنه جهلا أو خيانة لهم والبعض يتحدث عن مجاملة للشماليين، وطرح الانفصاليين لقضيتهم بهذه الطريقة تجعلهم يغلقون على أنفسهم أبواب الالتقاء مع الرافضين للانفصال.

يتم التلويح من قبل بعض فصائل الحراك بالعمل العسكري لإجبار الحكومة المركزية والعالم الخارجي على القبول بالانفصال، ورغم أن العمل العسكري سيلحق أضراراً كبيرة باليمن، إلا أن قدرته على تغيير الواقع لصالح الانفصال محدودة لأكثر من عامل، فالعمل العسكري لا يمكن أن يؤدي إلى سيطرة كاملة لقوى الحراك على كل مناطق الجنوب وتحديدا المناطق الاستراتيجية (مدينة عدن ومحافظتي حضرموت وشبوه الغنيتان بالنفط) وأفضل ما ستسيطر عليه جماعات الحراك أجزاء من محافظتي لحج والضالع، وهي المناطق التي أصبحت منذ فترة خارج سيطرة الحكومة المركزية بشكل من الأشكال، والسيطرة الكاملة على هذه المناطق لن تفيد الدعوة للانفصال كثيراً بل أنها ستشكل عبئا عليه في حال قررت الحكومة المركزية حصارها اقتصاديا وعسكريا،حيث أن هذه المناطق هي من أفقر مناطق اليمن، وموقعها الجغرافي غير مهم من الناحية الاقتصادية أو العسكرية، إلى جانب ذلك فإن استخدام العنف من جانب الحراك سيؤلب عليه الكثير من العداء في داخل اليمن وخارجه، خاصة وأن أمن اليمن واستقراره قد أصبح جزءاً من الأمن القومي لدول مثل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وهذه الدول وغيرها لن تسمح بتدهور الوضع الأمني لا من الحراك أو غيره.

يضاف إلى ذلك أن سيطرة الحراك الفعلي على كل أراضي الجنوب، وهو أمر مستبعد في الوقت الحالي، لا يمكن أن يمنح الانفصال الشرعية لغياب السند القانوني، وسيكون وضع الجنوب شبيها بوضع جمهورية أرض الصومال غير الشرعية.

أن الخلاصة التي سنخرج بها هي أن القضية الجنوبية ستبقى معضلة، فلا انفصال سيتحقق ولا وحدة حقيقية ستتم على الأقل في المستقبل القريب لليمن.

——————
هوامش
1- المقصود بالسلطة الشرعية هنا، هو اعتراف العالم الخارجي بما في ذلك الأمم المتحدة بالحكومتين، بغض النظر عن شرعيتهما السياسية بين مواطنيهما، وهذا مبحث سياسي وليس قانونياً.

2 – تم الاستفتاء على دستور دولة الوحدة في تاريخ 15، 16 مايو 1991 وقد تمت الموافقة عليه بنسبة 98,3 % من عدد من أدلوا بأصواتهم – يمكن الإطلاع على تفاصيل الاستفتاء في هذا الرابط http://www.almotamar.net/22may/showdetails.php?id=43

3 – أنظر موقع المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة http://www2.ohchr.org/english/law/cescr.htm

4 – انظر نص القرار في موقع الامم المتحدة http://www.unoosa.org/pdf/gares/ARES_25_2625A.pdf

5 – يمكن الإطلاع على نص الخطاب في الرابط التالي http://hakaek-misr.com/showthread.php

6 – يمكن الإطلاع على نص الحكم في موقع المحكمة الكندية العليا على هذا الرابط
http://scc.lexum.org/en/1998/1998scr2-217/1998scr2-217.html

7 – يمكن الاطلاع على النص باللغة الانجليزية في موقع الأمم المتحدة على هذا الرابط
http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N94/236/01/PDF/N9423601.pdf?OpenElement
http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N94/270/14/PDF/N9427014.pdf?OpenElement

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s